كم سكينةً تُغرس في ظهرك كلّما كبرت؟

‏لقد كانت حزينة ووحيدة جدًا،وجميلة، تستلقي فوق سقيفة المنزل تدخّن التبغ وهي تفكر بالسكاكين المغروسة في قلبها وظهرها دون أن تُبدي أية إنفعال، ترتدي البناطيل بطبعات الجيش، تطير بين الذكريات، تحاول النوم والهواء يلفح خصلات شعرها العسليّة، إنها تحاول أن تهدأ، أن تُصمت هذا الصراخ في جوفها، تحاول أن تنتزع بعض السكاكين، “هنا سكّينة سلمى، أختي التي أقسمت أنها ستحميني ولا أعرف إن كان مفهوم الحماية لديها يتضمن أن تشير الأخت لأختها بأصابع الإتهام بأنها طفلة مدللة وفاسدة والعالم من حولها يعبث بها ويضعها في جيبه..! أما هذه السكينة المزخرفة الجميلة،، هنا حيث سكينة إبتسام، إنها قد تكون كل شيء، عدا الإبتسام، لقد ركضت صديقتي إبتسام نحوي بإندفاع مُبهج جعلني أصدق لوهلة أننا أعز صديقتين، حتى إستطاعت أن تجد أفضل بقعة في قلبي لتغرس سكينتها ببطء وإحتراف، لقد عذّبني هذا الألم حتى تمنيت الموت، لكنّ الجرح -حمدًا لله- إلتئم حول السكينة جاعلًا منها سكينة ثابتة مغروسة في قلبي تُذكّرني بكل شيء رائع قد كان بي وفقدته.. يلتف حول السكينة الكثير من الندوب، آه حسنًا قد أكون إستطعت أن أنتزع بعض السكاكين التي غرزها أصدقائي المفضلون في صدري ، لكننّي لم أستطع أن أتخلّص من تلك الندوب، إنها تعجبني بعض الشيء فهي تذكار على صلابتي، سأتركها كتنبيه لكي لا أعيد نفس الخطأ مجددًا وأجعل للأصدقاء مجالًا في صدري، العبث في حياتي ممنوع جدًا..” لم تعُد تشعر بالألم وهذا الأمر لطالما كان مغرٍ لأن تُطفئ أعقاب السجائر على جلدها الذي يلمع تحت ضوء القمر، إنها شديدة الجمال لكنّ الخرابات في قلبها الكهل تجعلها تشعر أنها لن تكتمل أبدًا، تتقلّب يمنة ويسرة تحاول أن تُفسح مجالًا لأحد السكاكين المغروسة حديثًا، إن قلبها ضيّق؛ لم يعُد هناك مجال لندبة جديدة، تضع يدها على موضع الألم وتكسر ضلعها، هاهنا الآن فُسحة ضيقة، سيستغلها أحد أشخاصها المفضلين ليزرع سكينة جديدة، أو ربما صبّارة، وهذا الأمر لا بأس به، ستسقي الصبارة دمعتين شهريًا، لن تتذمر صبارتها الصغيرة من التصحر في جوفها، قد تتحول إلى شجرة برتقال، أو ياسمينة.. من يدري مالذي يخبئه لها هذا العالم ؟

معالي وأستاذة الرياضيات.. وأنا.

كنت طفلة في العاشرة من عمرها حين قالت معلمة الرياضيات الحمقاء للطالبة المتفوقة في فصلي عندما لم تحلّ الواجب:”غلطة الشاطر بألف يا معالي”، وهزّت رأسها بخيبة أمل ثم أستدارت وتجاهلت معالي لآخر يوم عشناه في ذلك الفصل الكئيب، أراهنكم على أن ذلك الجرح في صدر معالي قد تحوّل إلى ندبة. كنّا نقف لأننا لم نحل الواجب، وكانت معالي هي الحمامة التي أرسلت أستاذتي من خلالها رسالة بطريقة غير مباشرة أن كلنا بعقولنا الصغيرة لن نصبح أبدًا شطّارًا لأننا نُخطِئ، إنها جعلت معالي تشعر أنها حين تُخطِئ ستغرق في دوّامة الأخطاء ولن تنجو، أو على الأقل كان هذا مايخطر ببالي في كل مرة أتذكر هزّة رأسها وصوتها يعلو بحدّة حين تخبر معالي أن هناك ألف غلطة في انتظارها. لقد أصبح لديّ معالي الخاصة بي، صرت في كل مرة أخطئ أنتظر تفاقم الأمور فوق رأسي، أنتظر الألف خطأ لأكتبهم في مذكّرتي الصغيرة وأنتزع الورقة حين أصل للخطأ رقم واحد وثلاثة اصفار مرتكزة على يمينه وأهرول سريعًا إلى حديقتنا لأدفنها، في الواقع لقد دفنت مآت الأخطاء ونظرتُ إلى نفسي أنني معالي.. البنت التي تُخطئ مع كل خطأ، ألف خطأ آخر.. لا تتحوّلوا إلى معالي، لا تجعلوا الخوف يبتلعكم كما فعلت بي معالي واستاذة الرياضيات ذات الصوت الحاد. 

مثقوبة. . 

إنهُ عنوان دفتر مذكّراتي الذي أخبّئهُ بين الكُتب المتكّدسة في غرفتي، الذي أحشره بين الوسائد، وأدسّه في معطفي بعيدًا عن أي عين بشرية حولي. لقد إخترته بعناية، أردته سماويًا، لأنني أريد أن أتذكر السماء، إنها عالية لا أحد يرمي رصاصاتها بإتجاهها ويثقبها. أردته أقل من مئة صفحة، ليذكّرني أن كل الأشياء الآسرة للنظر ليست كاملة تمامًا. أردتُ أن أكتب به، كنتُ دائمًا أحاول الكتابة، ثم في اللحظة الأخيرة أفشل.. حين حاولتُ آخر مرّة، كانت”أخبرو أمي أنني مثقوبة” تقف بمحاذاة اليمين على السطر الأول بحُزن، أغلقت المذكّرة ورميتها في الدرج. لأن أمي لم تعد تعرف كم أنا مثقوبة.. جدًا. 

تتبع.. 

لا تشرب القهوة على عجل. 


قد لا استسيغك أحيانًا، لكنّي أحبك، أحبك كثيرًا حتى أنني على أتم الإستعداد على أن أقسم نفسي الى خمسة اخماس متساوية وأوزعها في كل مكان حولك، في فنجانك خُمس، في أظرف القهوة المركونة بملل في أدراج غرفتك خُمس آخر، والبقيّة سأوزعها في حقائبك، وسائدك، وعُلب الشوكولا المُخبئة في دارك، لتشربني مع القهوة على عجل، وتأكل مني قطعة شوكولا وأنت ذاهب إلى العمل. . . ‬

سأتبخّر في الواحد والثلاثون من آيار. 

لقد حاولت مرارًا وتكرارًا أن أكسب دائمًا، لقد دهست على قلبي في كل مرة أراد أن يتقبل الهزيمة ويسير بعيدًا، لكنني أنا كنت بكامل الحماقة اركض وأسعى في حيوات الآخرين دون أن ألتفت لنفسي. 

لقد باتت حياتي اليوم بقايا، إنها بقايا أصدقاء، بقايا قوّة، بقايا ثبات، إنني مُمتلئة بالشظايا، أصبحت أخاف أن أخرج الشظايا من صدري لأنني أعرف جيدًا أنها ستنزف أيامًا عديدة، بل شهورًا وسنين، وأعرف اني سأفشل في مداواة هذه التقرّحات، ليس لديّ مصنع فولاذ أسد به ثقوب صدري، من أين؟ 

ياللعار، لقد عرفتُ جيدًا كيف الحياة تطوي أيامي السعيدة أمام عيني، وكل ما أستطيع فعله هو التحديق بإتساع، إنها التعاسة دائمًا تغرس سكينًا في منتصف حدقة عيني قبل أن أرى الحقيقة كاملة، إنهُ الخداغ لا يريدني أن أعلم كم هي حياتي مزيّفة ومتشبّعة بالجهل. 

مؤخرًا.. لقد تناثرت أمام قلبي كل الثقة الهائلة التي أعطيتها لكل شخص بينه وبين قلبي أنبُوب وصل، أنا همزة في بطن الكاف يبتلعها القلق وتتكئُ بقلّة حيلة. أنا يونس في بطن الحوت، أنا يائسة وتعيسة وهذا البؤس يرقص على الفُتات المُتبقي منّي.. سأتبخّر. 

تعاسة الرابعة فجرًا. 

لقد كان لديّ الكثير الكثير من العظام والجدران لأسند جسدي الضئيل عليها، لكنّها سقطت، سمعتُ لها دويّ في جوفي، هذا الإرتطام حطّم لي جوارحي كلّها، ماعدتُ أشعر أنني أسمع، أرى، أو أتحدث، حتى التذوّق صار مُر..

وبقيتُ وحديّ.. ‏لديّ إعتراف أخذ مني شهورًا لألفظه، واليوم حين بلغت من التعب مابلغت، أعترف أنني تعيسة. جدًا..

خمسة وعشرين، نوڤمبر حزين. 

حين أتممت عقدين كاملين، وسنة زائدة، وقفتُ على مشارف النافذة في غرفتي، أريد أن أتمنى أمنية، بقيتُ أحدّق في الفراغ لعشرة ثوانٍ وأنا أتمتم:”ويارب لا تجعلني ممتنّة لأحد، لا تجعلني سعيدة بفضل أحد، لا تجعل لي مفتاحًا في يد أحد، ربي وإخترلي في كل شيء إخترلي، ولا تخيّرني ماحييت، آمين”.. 

في العقد الأول عرفتُ معنى أن أكون طفلة مهمّشة لا يلتفت لها أحد، مهشمة، مهزوزة، وحيدة، طفلة ترى كل شيءٍ رائع، برّاق، وفائق الجمال عدا وجهها المشرق. في عقدي الثاني تجرعت الطفولة حين تنسلخ، حين يطويها بشريّ ويضعها في جيبه، عرفت أنني نجمة محبوسة في جسد، وأن قلبي هو الرائع والبرّاق وفائق الجمال، وأن الحياة سرقت مني ماسرقت وفرّت بفعلتها، وبقيت وحدي رغم ذلك فتاة فولاذية، شديدة الصلابة. على الرغم من أن السنة الزائدة لا تعني شيئًا مقارنة بالعقدين ماقبلها، لكني كنت أعرف جيدًا معنى أن تنصهر بفعل الحياة، أن يموت جزءٌ من قلبك، ووجهك يصبح جميلًا جدًا، لكن صدرك مشوّه بالخفاء، وأنك خرجت من العشرون سنة بقلبٍ جوهريّ، وروح حرّة ليست ممتنة لأحد. “اللهم ولا تجعلني ممتنة لأحد، ماحييت، آمين“.