قلقة .. “مُذكّرة”.

لا مزيد من الحديث عن الأصدقاء، لا مزيد من التوقّف في كل محطّة من محطات الحياة حين يخذلني صديقٌ عزيز
لقد كبرتُ ونضجت حتى أنني لم أعد أتخيّل أن "كيف حالك" من فمِ صديقٍ قديم تستدعي أن اقول أنني مُثقلة وحزينة ومستاءة لأنّ صديقي القديم يبدو رثًا وصدءًا ..
في الحقيقة أشعر أنني توقفتُ بما فيه الكفاية في حياتي، حتى انني توقفت عن الكتابة، عن القراءة، وحتى دفتر يوميّاتي السخيف لم أعد احمله في جيبي مؤخرًا..
لقد أفقدني الكتمان شهيّتي للحياة.. وهذا أمرٌ سيّء، لطالما أردت خوض محادثاتٍ طويلة عن القلق الذي ينهش قلبي عادةً، إنه يقضم اطرافي حتى أصبحت لا استطيع مصافحة أحد، خوفًا من أن يرى الرعشة في اصابعي.. اخاف أن يكتشف أحد كم أنا قلقة
القلق هو فاجعتي الأولى.. لم تكُن مرّة، ولا اثنتين، ولا حتى عشرة مرات حين إجتثّ احدهم الأمان من قلبي ..
ياتُرى هل سيعترف أحد؟ هل سيتذكّر أحد تلك الطفلة ذات القميص البُرتقالي تحت أشعة الشمس وهي تئن بُكاءً؟ أو تلك المراهقة التي تهشّمت مرارًا؟ "اوه حسنًا لا مزيد من الحديث عن الاصدقاء" هكذا أتمتم لنفسي وأنا احاول الإسترسال..
إنني حُلوة، وقلقة.. وأعتقد أن هذه أجمل صفتين اتذكرهما حين استيقظ كل صباح .

Advertisements

حين أسقطتني الحياة سهوًا. “مذكّرة”.

مرحبًا..
هل سبق وجرّبت أن تسقطك الحياة سهوًا؟ أن تشعر أنك غير مرئي وليس بمحض الصدفة! بل إن الحياة تكرّر عليك الشعور ذاته وكأنها تؤكد لك أنك لن تتعدى الهوامش!
أن تكون محاطًا بالأصدقاء والكل يُبدي رأيه بمنزل صديقك المقرّب الذي تناولو لديه طعام العشاء البارحة حين لم تكُن أنت مدعوًا.. وأنت بالمنتصف تشعر أنك عضو زائد، بل تتفجّر بالحمرة خجلًا من نفسك حين يتفقُ الجميع مجددًا على وليمة عشاء أخرى، ولكن دون أن يدعوك أحد! حتّى أنه لم يلاحظ أحد وجهك المحمر خجلًا وأنت تُطأطأ رأسك متصنعًا أن هاتفك يرن، بينما أنت فقط تحاول أن تلملم قطع كبريائك المتناثرة تحت أحذيتهم.
لقد إختبرت هذا الشعور منذ نعومة أضفاري، حين كنتُ طفلة تسير بجبيرة تلتفّ حول عنقها الذي دهست عليه الحياة "سهوًا"، كنت أجلس بضفيرة شعري الطويلة اتلمّس عنقي وأنا أراقب الأطفال من حولي، حلقي جافّ كأنه صحراء، وعصافير بطني تزقزق.. الأطفال حولي يلتهمون الهامبورجر.. وأنا أجلس بتعاسة خجولة، أريد أن أتذوّق البطاطا الشهيّة مع الكاتشب، أخجل من الكبار في حين أن الكبار لم يلحظوا وجودي في المقام الأول.. لماذا لا يراني أحد! لقد سقطت سهوًا أو عمدًا، أو كلاهما.
أردتُ أن أثير إعجاب أستاذتي في حين كان يجب أن لا أفعل، تدرّبت من أجل مسابقة الخط مرارًا وتكرارًا، فعلتُ كل ما بوسع طفلة في الثامنة من عمرها أن تفعل، حتى جاء يوم إختيار الفائزات؛ تخطّتني وكأنني غير مرئية، سقطت سهوًا.
كل المرّات التافهة التي سقطتُ بها سهوًا، لم يكُن هناك أحد حاضرًا من أجلي، مرّت واحدٌ وعشرون عامًا، وكل مرّة أسقط بها سهوًا في بؤرة البؤس، أبتسم..

إنطفاءة. “مذكّرة.”  

مرحبًا يا أصدقاء، لقد مرّت فترة ليست بالهيّنة منذ آخر محاولة كتابة قمتُ بها، أشعر بالخدر مؤخرًا، لقد تغيّرت حياتي كليًا، كل شيء من حولي في مكانه الصحيح، سريري لم يتغيّر منذ سنة، مازلتُ أقطن نفس الغرفة، مازالت عائلتي كما هي لم يتغيّر شيء، الأصدقاء عنصُر متغيّر منذ الأزل وهذه قاعدة آمنتُ بها مؤخرًا، كل شيء كماهو من الخارج؛ أما أنا من الداخل أشعر أنني إنسلختُ عن روحي، مؤخرًا صرتُ أستشعر وصولي لمرحلة غريبة، أشعر أنني شخصين في جسد واحد، وهذه الإزدواجية تُزعجني كثيرًا.. لقد فقدتُ نفسي، فقدتُ عفويتي، لم أعد كما أنا.. 

كل المرّات التي قاتلت من أجل شيء وجدتُ أنني أنا من يُقتل، لقد إنطفأت. 

إنني أحاول جاهدة أن أجد نفسي، أن أوحّد نفسي، لقد تعبتُ من الجريّ في إتجاهين معاكسين. قرّرت أن ألتزم بعدّة أهداف وضعتها لنفسي، على أمل.. أنني يومًا ما، حين تتحقق أهدافي المتواضعة، سأتوحّد. 

كم سكينةً تُغرس في ظهرك كلّما كبرت؟

‏لقد كانت حزينة ووحيدة جدًا،وجميلة، تستلقي فوق سقيفة المنزل تدخّن التبغ وهي تفكر بالسكاكين المغروسة في قلبها وظهرها دون أن تُبدي أية إنفعال، ترتدي البناطيل بطبعات الجيش، تطير بين الذكريات، تحاول النوم والهواء يلفح خصلات شعرها العسليّة، إنها تحاول أن تهدأ، أن تُصمت هذا الصراخ في جوفها، تحاول أن تنتزع بعض السكاكين، “هنا سكّينة سلمى، أختي التي أقسمت أنها ستحميني ولا أعرف إن كان مفهوم الحماية لديها يتضمن أن تشير الأخت لأختها بأصابع الإتهام بأنها طفلة مدللة وفاسدة والعالم من حولها يعبث بها ويضعها في جيبه..! أما هذه السكينة المزخرفة الجميلة،، هنا حيث سكينة إبتسام، إنها قد تكون كل شيء، عدا الإبتسام، لقد ركضت صديقتي إبتسام نحوي بإندفاع مُبهج جعلني أصدق لوهلة أننا أعز صديقتين، حتى إستطاعت أن تجد أفضل بقعة في قلبي لتغرس سكينتها ببطء وإحتراف، لقد عذّبني هذا الألم حتى تمنيت الموت، لكنّ الجرح -حمدًا لله- إلتئم حول السكينة جاعلًا منها سكينة ثابتة مغروسة في قلبي تُذكّرني بكل شيء رائع قد كان بي وفقدته.. يلتف حول السكينة الكثير من الندوب، آه حسنًا قد أكون إستطعت أن أنتزع بعض السكاكين التي غرزها أصدقائي المفضلون في صدري ، لكننّي لم أستطع أن أتخلّص من تلك الندوب، إنها تعجبني بعض الشيء فهي تذكار على صلابتي، سأتركها كتنبيه لكي لا أعيد نفس الخطأ مجددًا وأجعل للأصدقاء مجالًا في صدري، العبث في حياتي ممنوع جدًا..” لم تعُد تشعر بالألم وهذا الأمر لطالما كان مغرٍ لأن تُطفئ أعقاب السجائر على جلدها الذي يلمع تحت ضوء القمر، إنها شديدة الجمال لكنّ الخرابات في قلبها الكهل تجعلها تشعر أنها لن تكتمل أبدًا، تتقلّب يمنة ويسرة تحاول أن تُفسح مجالًا لأحد السكاكين المغروسة حديثًا، إن قلبها ضيّق؛ لم يعُد هناك مجال لندبة جديدة، تضع يدها على موضع الألم وتكسر ضلعها، هاهنا الآن فُسحة ضيقة، سيستغلها أحد أشخاصها المفضلين ليزرع سكينة جديدة، أو ربما صبّارة، وهذا الأمر لا بأس به، ستسقي الصبارة دمعتين شهريًا، لن تتذمر صبارتها الصغيرة من التصحر في جوفها، قد تتحول إلى شجرة برتقال، أو ياسمينة.. من يدري مالذي يخبئه لها هذا العالم ؟

معالي وأستاذة الرياضيات.. وأنا.

كنت طفلة في العاشرة من عمرها حين قالت معلمة الرياضيات الحمقاء للطالبة المتفوقة في فصلي عندما لم تحلّ الواجب:”غلطة الشاطر بألف يا معالي”، وهزّت رأسها بخيبة أمل ثم أستدارت وتجاهلت معالي لآخر يوم عشناه في ذلك الفصل الكئيب، أراهنكم على أن ذلك الجرح في صدر معالي قد تحوّل إلى ندبة. كنّا نقف لأننا لم نحل الواجب، وكانت معالي هي الحمامة التي أرسلت أستاذتي من خلالها رسالة بطريقة غير مباشرة أن كلنا بعقولنا الصغيرة لن نصبح أبدًا شطّارًا لأننا نُخطِئ، إنها جعلت معالي تشعر أنها حين تُخطِئ ستغرق في دوّامة الأخطاء ولن تنجو، أو على الأقل كان هذا مايخطر ببالي في كل مرة أتذكر هزّة رأسها وصوتها يعلو بحدّة حين تخبر معالي أن هناك ألف غلطة في انتظارها. لقد أصبح لديّ معالي الخاصة بي، صرت في كل مرة أخطئ أنتظر تفاقم الأمور فوق رأسي، أنتظر الألف خطأ لأكتبهم في مذكّرتي الصغيرة وأنتزع الورقة حين أصل للخطأ رقم واحد وثلاثة اصفار مرتكزة على يمينه وأهرول سريعًا إلى حديقتنا لأدفنها، في الواقع لقد دفنت مآت الأخطاء ونظرتُ إلى نفسي أنني معالي.. البنت التي تُخطئ مع كل خطأ، ألف خطأ آخر.. لا تتحوّلوا إلى معالي، لا تجعلوا الخوف يبتلعكم كما فعلت بي معالي واستاذة الرياضيات ذات الصوت الحاد. 

مثقوبة. . 

إنهُ عنوان دفتر مذكّراتي الذي أخبّئهُ بين الكُتب المتكّدسة في غرفتي، الذي أحشره بين الوسائد، وأدسّه في معطفي بعيدًا عن أي عين بشرية حولي. لقد إخترته بعناية، أردته سماويًا، لأنني أريد أن أتذكر السماء، إنها عالية لا أحد يرمي رصاصاتها بإتجاهها ويثقبها. أردته أقل من مئة صفحة، ليذكّرني أن كل الأشياء الآسرة للنظر ليست كاملة تمامًا. أردتُ أن أكتب به، كنتُ دائمًا أحاول الكتابة، ثم في اللحظة الأخيرة أفشل.. حين حاولتُ آخر مرّة، كانت”أخبرو أمي أنني مثقوبة” تقف بمحاذاة اليمين على السطر الأول بحُزن، أغلقت المذكّرة ورميتها في الدرج. لأن أمي لم تعد تعرف كم أنا مثقوبة.. جدًا. 

تتبع.. 

لا تشرب القهوة على عجل. 


قد لا استسيغك أحيانًا، لكنّي أحبك، أحبك كثيرًا حتى أنني على أتم الإستعداد على أن أقسم نفسي الى خمسة اخماس متساوية وأوزعها في كل مكان حولك، في فنجانك خُمس، في أظرف القهوة المركونة بملل في أدراج غرفتك خُمس آخر، والبقيّة سأوزعها في حقائبك، وسائدك، وعُلب الشوكولا المُخبئة في دارك، لتشربني مع القهوة على عجل، وتأكل مني قطعة شوكولا وأنت ذاهب إلى العمل. . . ‬